العيني

27

عمدة القاري

وجبت جنوبها ) * ( الحج ) . ثم المذكور بعد * ( جنوبها ) * إلى قوله : * ( وبشر المحسنين ) * ( الحج : 63 ) . وموضع الاستدلال في جواز ركوب البدن في قوله : * ( لكم فيها خير ) * ( الحج : 63 ) . يعني : من الركوب والحلب لما روى ابن أبي حاتم وغيره بإسناد جيد عن إبراهيم النخعي : * ( لكم فيها خير ) * ( الحج : 63 ) . من شاء ركب ومن شاء حلب ، وفي ( تفسير النسفي ) في قوله : * ( لكم فيها خير ) * ( الحج : 63 ) . من احتاج إلى ظهرها ركب ، ومن احتاج إلى لبنها شرب . وقيل : في البدن خير وهو النفع في الدنيا والأجر في الآخرة ، ومن شأن الحاج أن يحرص على شيء فيه خير ومنافع ، وعن بعض السلف : أنه لم يملك إلاَّ تسعة دنانير ، فاشترى بها بدنة ، فقيل له في ذلك ، فقال : سمعت ربي يقول : * ( لكم فيها خير ) * ( الحج : 63 ) . قوله : ( والبدن ) بضم الباء جمع بدنة ، سميت بذلك لعظم بدنها ، وهي الإبل العظام الضخام الأجسام ، وهي من الإبل خاصة وقرئ * ( والبدن ) * بضمتين كتمر في جمع : تمرة ، وعن ابن أبي إسحاق ، بضمتين وتشديد النون على لفظ الوقف ، وقرئ : البدن ، بالرفع والنصب كما في قوله : * ( والقمر قدرناه ) * ( يس : 93 ) . قوله : * ( من شعائر الله ) * ( الحج : 63 ) . أي : من أعلام الشريعة التي شرعها وأضافها إلى اسمه تعظيما لها . قوله : * ( لكم فيها ) * أي : في البدن . قوله : * ( فاذكروا اسم الله عليها ) * عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما : ذكر اسم الله عليها أن يقول عند النحر : بسم الله ، الله أكبر ، لا إله إلا الله والله أكبر اللهم منك وإليك . قوله : ( صوافّ ) أي : قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن . وقيل : أي قياما على ثلاثة قوائم قد صفت رجليها وإحدي يديها ويدها اليسرى معقولة ، وقرئ : صوافن ، من : صفون الفرس وهو : أن تقوم على ثلاث وتنصب الرابعة على طرف سنبكه ، لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث ، وقرئ : صوافي ، أي خوالص لوجه الله تعالى . وعن عمرو بن عبيد : صوافا ، بالتنوين عوضا عن حرف الإطلاق عند الوقف . وعن بعضهم : صواف ، نحو مثل قول العرب : أعط القوس باريها ، بسكون الياء . قوله : * ( فإذا وجبت ) * قال الزمخشري : وجوب الجنوب وقوعها على الأرض ، من : وجب الحائط وجبة إذا سقط ، ووجبت الشمس وجبة غربت ، والمعنى : فإذا وجبت جنوبها وسكنت نسائسها حل لكم الأكل منها والإطعام ، وسيأتي تفسير القانع والمعتر . قوله : * ( كذلك سخرناها لكم ) * هذا منّ من الله تعالى على عباده بأن سخر لهم البدن مثل التسخير الذي رأوا وعلموا أن يأخذونها منقادة للأخذ ، فيعقلونها طائعه ويحبسونها صافة قوائمها ، ثم يطعنون في لباتها ، ولولا تسخير الله تعالى لم تطق . قوله : * ( لن ينال الله لحومها ) * وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن لطخوا حيطان الكعبة بدمائها ، فهم المسلمون مثل ذلك ، فأنزل الله تعالى : * ( لن ينال الله لحومها ) * أي : لن يصل إلى الله تعالى لحومها المتصدق بها ولا الدماء المهراقة بالنحر ، * ( ولكن يناله التقوى منكم ) * والمعنى : لن يرضي المضحون والمقربون ربَّهم إلاَّ بمراعاة النية والإخلاص والاحتفاظ بشروط التقوى . قوله : * ( كذلك سخرها لكم ) * أي : سخر البدن ، وكرر تذكير النعمة بالتسخير ، ثم قال : * ( لتكبروا الله على ما هداكم ) * يعني : على هدايته إياكم لإعلام دينه ومناسك حجه بأن تكبروا وتهللوا ، وضمن التكبير معنى الشكر ، وعدى تعديته . قوله : * ( وبشر المحسنين ) * الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، أمره بأن يبشر المحسنين الذين يعبدون الله تعالى كأنهم يرونه ، فإن لم يروه فإنه يراهم بقبوله ، وقيل : بالجنة . قال مجاهِدٌ : سُمِّيَتِ الْبُدْنَ لِبُدْنِها بضم الباء وسكون الدال في رواية بعضهم ، وفي رواية الأكثرين : بفتح الباء وفتح الدال ، وفي رواية الكشميهني : لبدانتها أي : لضخامتها . وأخرج عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قال : إنما سميت البدن من قبل السمانة . وقال الجوهري : البدنة ناقة تنحر بمكة ، سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها ، والبدن التسمين والاكتناز ، وبدن إذا ضخم وبدن بالتشديد إذا أسن ، وقد ذكرنا عن قريب أن البدن من الإبل خاصة ، وقال الداودي قيل : إن البدنة تكون من البقر ، وهذا نقل عن الخليل . والْقانِعُ السَّائلُ ، والْمُعْتَرُّ يعْتَرُّ بالبُدْنِ مِنْ غَنِيٍّ أو فَقِيرٍ هذا من كلام البخاري ، وكذا قال ابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري ، القانع : السائل والمعترض الذي يتعرض ولا يسأل . وقال مالك : أحسن ما سمعت فيه أن القانع الفقير والمعتر الدائر ، وقيل : القانع السائل الذي لا يقنع بالقليل . وفي ( الموعب )